في
ذكرى الغارة : من المسؤول عن الضحايا والخسائر !؟
سليم نصر
الرقعي
نعم .. إن هذا السؤال الكبير
لابد أن يُطرح للنقاش مرارا ً وتكرارا ً كلما حلت ذكرى
الغارة الإمريكية على ليبيا في إبريل من عام 1986 لمعرفة
الحقيقة وتحديد المسؤوليات ! .. فقد يسهل على النظام وأنصاره
اليوم أن يجيبوا بسرعة على هذا السؤال بقولهم أن المسؤول
الأول والأخير والوحيد عن حدوث هذه الكارثة ووقوع كل هؤلاء
الضحايا هو أمريكا أو جنون الرئيس الأسبق ( ريغان ) وحسب !
.. ولكن سيبقى السؤال التالي والمنطقي عندها : لماذا إستهدفت
(أمريكا / ريغان ) ليبيا بالذات يومها دون كل دول العالم
المعادية للإستعمار والإمبريالية الأخرى بل ودول المواجهة مع
إسرائيل !؟ .. ومن الذي ورط ليبيا في معارك غير متكافئة في
سبيل مطاردة الأوهام الكبيرة المسمومة وملاحقة حلم القيادة
القومية او الأممية الموهومة ؟ وما إنعكاسات تلك المغامرات
والبطولات على بلادنا وشعبنا وقضية التنمية في ليبيا !؟ ..
من الذي هيج وجر ذلك ( الثور الهائج ) من قرونه إلى ليبيا
بالذات !؟ .. فقد كانت كثير من الدول الثورية - غير ليبيا -
لها مواقف مشرفة ضد الإستعمار وفي مناصرة قضايا التحرر في
العالم أو تعتبر من دول الصمود والتصدي العربية ومع ذلك لم
تتجرأ أمريكا على أن تشن غارة عليها جهارا نهارا ً كما فعلت
مع ليبيا / معمر القذافي !؟ .. لماذا ليبيا بالذات !؟ ...
أليس هي السياسات الحمقاء والمواقف الرعناء والمعارك الفارغة
والرغبة في الشهرة ونيل قيادة أممية أو قومية !!؟؟ .. فهل
تحققت لليبيا وللعقيد القذافي بعد كل تلك التضحيات هذه
القيادة بحق وبشكل حقيقي وجاد اليوم بالفعل !؟ .. وماذا
إستفدنا من كل تلك المعارك والمشاكسات الإستعراضية في ظل
الحرب الباردة والإحتماء بالدب الأحمر والقطب الشيوعي وقد
إنتهت اليوم – بعد سقوط المعسكر الإشتراكي - بكل هذه
الإنبطاحات الهائلة والتعويضات الطائلة وطلب ود الإدارة
الإمريكية !؟ .. هل عادت تلك التوجهات والسياسات بالنفع على
الشعب الليبي أم عادت عليه بالضرر والخسار والدمار !؟ ...
بلا شك أن صوت الحق والمنطق والعقل يقول : إن هناك مسؤولية
كبيرة وأساسية تقع على عاتق ذلك (الشخص/ الفرد) الذي يقحم
بتصرفاته الصبيانية الرعناء أو بتصرفاته العدوانية الهوجاء
عائلته ورعيته في معركة خاسرة وغير متكافئة مما يعود بخسائر
كبيرة وأسيفة على أهله ورعيته في الأرواح والممتلكات !؟ ..
ذلك (الشخص) المتهور الذي إستفز الثور الهائج لمجرد أنه يطمح
أن يثير الأنظار ويبهر الأبصار ويوصف في وسائل الإعلام
بالبطولة والإقتدار أو لكي يدخل التاريخ !؟ .. ثم وحينما
يهيج هذا الثور القوي ويهجم بجنون على (الحي) يكون هذا الشخص
(رأس القوم) مختبئ في سرداب تحت الأرض هو وأفراد عائلته في
أمان ويترك أبناء الحي وأطفالهم يواجهون مصيرهم ويواجهون
ضربات وقرون هذا الثور الهائج المجنون والمسعور ! .. هذا
الثور الذي هيجه عليهم هو شخصيا ً بتصرفاته الحمقاء !؟ . لقد
إعترف القذافي في خطاباته الأخيرة أنه كان يطارد أوهام
خارجية كبيره وأنه كان متأثرا ً بكاسترو وعبد الناصر
وأمثالهم !! .. فهل نعتبر إقحام ليبيا بحجمها السياسي الضئيل
وعدد سكانها القليل في كل تلك المعارك الخاسرة هو نتيجة من
نتائج تلك الأوهام الكبيرة والغريرة والكثيرة التي كانت –
وربما لازالت - تسيطر على عقل ونفسية وذهنية وشخصية الأخ
العقيد والقائد الأممي الفريد والصقر الوحيد !؟ .. ألم يمارس
القذافي ويدعم عمليات إرهابية بالفعل كثيرة بدعوى محاربة
الإستعمار والإمبريالية وقيادة الثورة العالمية الأممية !!؟
.. فكانت الغارة الإمريكية نتيجة من نتائج تلك الأوهام
الخضراء الكبيرة والتصرفات الرعناء الغريرة ؟ ألم تأتِ
الغارة الإمريكية كرد فعل على تصرفات القذافي الإستفزازية
والإرهابية لذاك الثور الأهوج وكان غرضها بالتالي هو الردع
وإيقاف القذافي عند حده خصوصا ً بعد تفجير ملهى ليلي في
ألمانيا يرتاده جنود أمريكيون !؟ ..... ومع ذلك لم يرعوي
القذافي ولم يكف يومها عن مطاردة الأوهام أو طلب الإنتقام من
فاجعة الغارة الإمريكية – ولو سرا ومن وراء الف ستار هذه
المرة ! - فتم تفجير الطائرة الإمريكية فوق سماء ( لكوربي )
لتصبح هذه الجريمة ورقة في يد القوى العظمى تضغط بها بقوة
على ليبيا ولتتحول إلى أكبر عملية إبتزاز عالمية وتعود
بالتالي بالضرر الكبير على الليبيين مادياً ومعنويا ً بسبب
العقوبات الدولية ثم ينتهي الأمر بأن تدفع ليبيا الثمن غاليا
ً بعد ذلك من ميزانية الشعب في صورة تعويضات فلكية بعد كل
ذاك الحصار وكل تلك التحديات الإستعراضية ! .. خصوصا ً بعد
قدوم ( بوش الإبن) للبيت الأبيض وإتباعه نهج وسياسة (ريغان)
التي تعتمد على العصا الغليظة في فرض الإرادة الإمريكية !؟؟
.. ألم يكمل ( بوش) ما بدأه (ريغان) في ليبيا وتحقيق هدف
الترويض والتركيع والتطويع !؟ . لايعني هذا – على الإطلاق -
أننا نبرئ ساحة أمريكا من دم هؤلاء الضحايا من الشهداء
الليبيين الذين سقطوا بنيران الإمريكيين يوم الغارة .. أبدا
ً ! .. فهم بلا شك مسؤولون عن وقوع ضحايا من المدنيين ولكننا
في الوقت نفسه – وللحقيقة وللتاريخ – لابد أن نبين أن
مسؤولية ضخمة وأساسية تقع على عاتق العقيد القذافي شخصيا ً
بإعتباره قائد البلد والمسؤول الأول والأكبر في الدولة
الليبية وقائد سفينة دولتنا الوطنية فهو من جر ليبيا
والليبيين إلى كل هذه المعارك الإقليمية والدولية الحمقاء
والخسارة والمروعة التي جرت علينا الويلات والويلات ولن يشفع
له دعواه أنه كان يدعم حركات التحرر أو النضال من أجل تحرير
فلسطين أو توحيد الأمة العربية أو أنه كان متأثرا ً بناصر أو
كاسترو أو حتى لينين أو باكونين ! . صحيح أن من حق هذه
العائلات المنكوبة في الغارة أن تطالب الحكومة الإمريكية
بتعويضات عادلة عن ما حل بهم يوم الغارة ونتيجة لهذه الغارة
المروعة ولكن على النظام – وعلى الدولة الليبية - في الوقت
نفسه الإسراع في تعويض كل هذه العائلات الليبية المنكوبة
تعويضا ً عادلا ً فيما لحق بهم من خسائر في الأرواح
والممتلكات فبلا شك أن المساعدات التي قدمتها الدولة –
بطريقة المن والتقتير ! – يومها - سواء لضحايا الغارة أو حتى
لضحايا حرب تشاد الخاسرة - لم تكن أبدا ً كافية ولا في مستوى
التعويضات الممنوحة للدم الإمريكي والإنجليزي ولا في مستوى
الخسارة المعنوية والمادية التي لحقت بهذه العائلات المنكوبة
جراء مغامرات وأحلام وأوهام ( الأخ العقيد ) !! .